عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
21
اللباب في علوم الكتاب
وثق به ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ وهذا جار مجرى العلة الباعثة على التوكّل عند الأخذ في كل الأمور ، وهذه الآية تدل على أنه ليس التوكّل أن يهمل نفسه - كقول بعض الجهّال - وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافيا [ للأمر بالتوكل ] ، بل التوكل هو أن يراعي الإنسان الأسباب الظاهرة ، ولكن لا يعوّل بقلبه عليها ، بل يعوّل على عصمة الحقّ . فصل [ في معنى التوكل ] فصل التوكل : الاعتماد على اللّه تعالى مع إظهار العجز ، والاسم : التّكلان ، يقال منه : اتكلت عليه في أمري وأصله : اوتكلت ، قلبت الواو ياء ، لانكسار ما قبلها ، ثم أبدلت منها التاء ، وأدغمت في تاء الافتعال ، ويقال : وكّلته بأمري توكيلا ، والاسم : الوكالة - بكسر الواو وفتحها - . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 160 ] إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 160 ) قوله : إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ شرط وجوابه ، وكذلك قوله : وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي وهذا التفات من الغيبة إلى الخطاب - كذا قاله أبو حيان . يعني من الغيبة في قوله : لِنْتَ لَهُمْ وقوله : لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ وقوله : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ قال شهاب الدين : وفيه نظر . وجاء قوله : فَلا غالِبَ لَكُمْ جوابا للشرط ، وهو نفي صريح ، وقوله : فَمَنْ ذَا الَّذِي - وهو متضمن للنفي - جواب للشرط الثاني ، تلطفا بالمؤمنين ، حيث صرح لهم بعدم الغلبة في الأول ، ولم يصرح لهم بأنه لا ناصر لهم في الثاني بل أتى به في صورة الاستفهام - وإن كان معناه نفيا . وقوله : فَمَنْ ذَا الَّذِي قد تقدم مثله في البقرة « 1 » . والهاء - في قوله : مِنْ بَعْدِهِ - فيها وجهان : أحدهما - وهو الأظهر - : أنها تعود على « اللّه » تعالى ، وفيه احتمالان : الأول : أن يكون ذلك على حذف مضاف ، أي : من بعد خذلانه . الثاني : أنه لا يحتاج إلى ذلك ، ويكون معنى الكلام : إنكم إذا جاوزتموه إلى غيره - وقد خذلكم - فمن يجاوزه إليه وينصركم ؟ ثانيهما : أن يعود على الخذلان المفهوم من الفعل ، وهو نظير قوله : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [ المائدة : 8 ] . قوله : إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ يعنكم ويمنعكم من عدوكم فَلا غالِبَ لَكُمْ مثل يوم بدر وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ يترككم كما كان بأحد - لم ينصركم أحد . والخذلان : القعود عن
--> ( 1 ) آية : 255 .